TheJordanTime

الزعبي يكتب : رمضان… حين تتطهّر الروح قبل الجسد

2026-02-18 - 20:26

وطنا اليوم _ بقلم: محمد خالد الزعبي لا يطلّ هذا الشهر على التقويم فحسب، بل يهبط على الوجدان هبوط المعنى على الكلمة. يأتي هادئًا، بلا ضجيج، لكنه يُحدث في الداخل رجّة خفيّة تعيد ترتيب الأشياء. يبطئ إيقاع الأيام، ويمنح الوقت فسحة نادرة كي يرى الإنسان نفسه كما هي، بعيدًا عن الأقنعة والاستعجال والتبريرات الجاهزة ليس الأمر امتناعا عن طعامٍ وشراب بقدر ما هو انقطاعٌ عن الضوضاء الكامنة في الأعماق هو صومٌ عن فائض الرغبات، وعن الكلمات التي تُقال بلا ضرورة، وعن الغضب الذي يتسلّل إلى التفاصيل الصغيرة. في مدرسته يتعلّم المرء أن يؤجّل نزوة ليحفظ قيمة، وأن ينتصر على اندفاعه ليصون اتزانه، وأن يدرك أن الحرية الحقيقية لا تُقاس بما نفعل، بل بما نملك القدرة على تركه في لياليه تنكشف الحقائق ببساطة مدهشة دعاءٌ يُهمس به في العتمة أصدق من خطبٍ مدوّية، وصدقةٌ تُعطى في خفاء أبقى أثرًا من صورةٍ عابرة، ودمعةٌ في سجودٍ طويل تختصر مسافة عامٍ كامل حين تصطفّ الأكتاف في المساجد، تتراجع الفوارق الاجتماعية، وتسقط الألقاب، ويبقى الإنسان مجرّدًا من كل امتياز، واقفا بضعفه واحتياجه أمام خالقه هناك فقط يتّضح المعنى: لسنا بما نملك، بل بما نُحسن ومع اقتراب ختامه، تتقدّم ليلةٌ استثنائية تتجاوز في رمزيتها حدود الزمن؛ ليلةُ القدر، التي لا تُقاس بساعاتها بل بما تفتحه من أبواب الرجاء هي لحظة صفاءٍ كثيف، يعلو فيها همس الدعاء فوق كل ضجيج، ويشعر القلب أنّ السماء أقرب مما يظن. في تلك الساعات، لا يبحث الإنسان عن معجزةٍ خارجية بقدر ما ينتظر التحوّل في داخله؛ أن تُغفر زلّة، وأن تُمحى قسوة، وأن يُكتب له بدءٌ جديد ليلةٌ تُعلّمنا أن القيمة لا تُختزل في الكثرة،...

Share this post: