TheJordanTime

فساد مشرعن برسالة شكر

2026-02-27 - 06:26

كتبت شيرين قسوس في بلادٍ تُدار فيها الأخطاء كما تُدار العلاقات العامة، يصبح الفشل حدثاً عابراً لا يستحق أكثر من بيانٍ منمّق. تسقط القرارات الثقيلة على رؤوس الناس، تتعثر القطاعات، تتراكم الخسائر، ثم يخرج علينا خبر “إعفاء” المسؤول مصحوباً بعبارات الثناء والتقدير، وكأن ما جرى كان تجربةً تعليمية ناجحة لا إخفاقاً مكلفاً. يُغلق الستار سريعاً، لا لأن الحقيقة انكشفت، بل لأن المطلوب هو إطفاء الضوء قبل أن تتضح الصورة. في بلدانٍ اعتادت تلميع الإخفاق، يتحوّل الخطأ الفادح إلى “إنجازٍ إداري” يُختتم بباقة وردٍ ورسالة شكر. مسؤولٌ يتسبب بضررٍ جسيم، يربك مؤسسات، يهدر أموالاً، أو يترك المواطنين يدفعون ثمن قراراته المرتجلة، ثم نسمع البيان الرسمي: “تُثمّن الدولة جهوده الكبيرة وتقدّر عطاءه”. أي عطاء.. وأي تقدير؟! كأن الفشل صار مهارة، وكأن الإضرار بالمصلحة العامة بطولة تستحق التصفيق. في هذه البيئات، لا يُنظر إلى المنصب على أنه أمانة، بل غنيمة. لا يُفهم على أنه عقد ثقة مع الشعب، بل امتيازٌ محصّن بالشكليات. وحين يقع المحظور، تُقدَّم الإقالة كقربانٍ لامتصاص الغضب، ثم يُطوى الملفّ بعبارات منمّقة. لا اعتراف صريح، لا مساءلة حقيقية، لا محاسبة تردع من بعده. مجرد تبديل كراسٍ... وتستمر المسرحية. قارنوا ذلك بما يحدث في دولٍ رسّخت ثقافة المسؤولية، مثل اليابان أو ألمانيا أو المملكة المتحدة. هناك، حين يخطئ المسؤول، لا ينتظر قراراً بإقالته ممهوراً بعبارات الامتنان بل يبادر هو إلى الاستقالة. يقف أمام الناس، يقرّ بالتقصير، ويقول بوضوح: أخطأت. ثم يخضع للتحقيق والمساءلة كأي مواطن عادي. لا حصانة أخلاقية ولا درعاً من مجاملات. الفرق ليس في اللغة، بل في الجوهر. في النموذج الأول، تُحمى الصورة ولو تحطّم المبدأ. في النموذج الثاني، يُحمى المبدأ ولو سقطت الصورة....

Share this post: