د. محمد الهواوشة يكتب: ذباحة الدول: سردية حضور بني حميدة في التاريخ الأردني
2026-02-15 - 16:39
بقلم د. محمد الهواوشة : لسنا اسما عابرا في كتب الانساب، ولسنا رقما في سجل القبائل. نحن بني حميدة، حضور ممتد من مأدبا إلى ذيبان، ومن الكرك إلى الطفيلة، روح سكنت جبال الشراة ووهاد الموجب، وكتبت اسمها في صخر الأرض قبل أن يُكتب بالحبر. أرضنا لم تكن مجرد جغرافيا، بل مدرسة صلابة، صنعت رجالا إذا اشتد الخطب اشتدوا، وإذا دُعي الموقف لبوا. هناك تشكلت هويتنا، بين الجبل والوادي، بين السيف والكلمة، بين الكرامة والعهد. حين اشتد بطش الحكم العثماني، وارتفعت الضرائب حتى ضاقت الصدور، وحاولت السلطة كسر إرادة الناس بالقهر والتجنيد، لم ننحن. وقفنا كما تقف الجبال، صلبين لا نلين، مؤمنين أن الكرامة ليست كلمة تُقال، بل ميثاق نحمله ولو كان الثمن الدم. في تلك المرحلة برزت قوة بني حميدة في أسمائنا الشعبية، ولقبونا “ذباحة الدول”، لما عرف عن فرساننا من صلابة وشجاعة. حين قامت الثورة على العثمانيين، قاتلنا بكل بسالة، وواجهنا القوات الغازية بكل عزيمة، فوقع أكثر من مئتي جندي من الأتراك قتلى أمام صمودنا وصمود عشائرنا. لم يكن القتال عبثا، بل دفاعا عن الأرض والعرض والكرامة. وعندما اندلعت ثورة الكرك عام 1910، كنا في الصفوف الأولى. لم نكن متفرجين على التاريخ، بل صناعته. كانت تلك اللحظة فاصلا بين زمن الخضوع وزمن الوعي الوطني، الذي تجلى لاحقا في الثورة العربية الكبرى، فحول روح المقاومة المحلية إلى مشروع تحرر أوسع ومهد الطريق لقيام الدولة الأردنية. انتقلنا من مقاومة الظلم إلى المشاركة في البناء، من حماية المضارب إلى حماية الحدود، ومن صوت البادية إلى صوت الوطن. دخل أبناؤنا الجيش العربي، وحملوا البندقية دفاعا عن الوطن كما حملها آباؤنا دفاعا عن الكرامة. شاركنا في الإدارة والتعليم والحياة...