الأردن بلد الحكمة والدبلوماسية والتوازن في عالم مضطرب
2026-03-19 - 06:43
البرفسور عبد الله سرور الزعبي مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية اليوم ونحن نعيش في زمنٍ تتآكل فيه الحدود بين القوة والفوضى، وتتصادم فيه السرديات الدينية مع الحسابات الجيوسياسية، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف موقع الدول لا بوصفها كيانات جغرافية فحسب، بل بوصفها أنماطًا في إدارة التوازن. وفي هذا السياق المضطرب، لا يظهر الأردن كدولة عادية في معادلة الشرق الأوسط، بل كنموذج مركّب، دولة توازنات صلبة، وفلسفة عيشٍ مشترك. ففي منطقة تُدار غالبًا بمنطق الغلبة أو الانهيار، اختار الأردن مسارًا أكثر تعقيدًا، أن يكون حاجزًا أمام الفوضى دون أن ينزلق إلى صدام مفتوح، وأن يحافظ على استقراره دون أن ينغلق على ذاته، وأن يقدّم نموذجًا للسلام والعيش المشترك دون أن يفرّط في ثوابته. هذا التوازن الدقيق لم يكن نتاج ظرف عابر، بل تعبير عن فهم عميق لطبيعة الإقليم، ولحدود القوة، ولخطورة اختزال بعض المفاهيم التاريخية في مشاريع سياسية. ومن هنا، فإن أي نقاش حول الأردن، سواء جاء من بوابة بعض النصوص التاريخية، أو من حسابات التمدد الجيوسياسي، لا يمكن أن يُفهم إلا ضمن هذا الإطار المركّب. فالأردن ليس مجرد موقع على الخريطة، بل هو نقطة توازن في لحظة اختلال، ونموذج في إدارة التناقضات، ودولة استطاعت أن تحوّل الجغرافيا من عبء إلى وظيفة، ومن تهديد إلى عنصر استقرار لمنطقة كاملة. في الشرق الأوسط، لا تُصاغ السياسة بالحاضر وحده، بل تُستدعى لها طبقات عميقة من التاريخ والنصوص، لتُمنح شرعية أو تُنتزع. غير أن الخطر لا يكمن في استدعاء النصوص، بل في اختزالها؛ وفي تحويلها من منظومات أخلاقية إلى أدوات تبرير آنية. وهنا تحديدًا، تتكشف مفارقة لافتة، النصوص التي يُلوَّح بها أحيانًا لتوسيع الجغرافيا، هي نفسها التي وضعت لها...