TheJordanTime

عندما تصبح الهوية بديلاً عن الدولة… لا رافعة لها

2026-02-15 - 07:38

د: ابراهيم النقرش في خضمّ الجدل المتكرر حول “الهوية”، يختلط المفهوم بالمفهوم، ويضيع الفارق بين ما يُلهم الشعوب وما يُدير شؤونها. فليست المشكلة في الهوية ذاتها، ولا في تعددها، بل في تحويلها إلى بديل عن الدولة، أو تحميلها ما لا تحتمل من أعباء السياسة والاقتصاد والإدارة. هنا يبدأ الخلل، وهنا تتشوش الأولويات. الهوية هي من نكون شعورياً وثقافياً: لغة، دين، تاريخ، ذاكرة جماعية، عادات، وانتماء رمزي. تُبنى عبر القرون، وتحيا في الوجدان، وهي بطبيعتها عاطفية، تحفظها الذاكرة وتصونها المشاعر. يمكن أن تكون واحدة، ويمكن أن تتعدد داخل المجتمع الواحد دون أن يشكل ذلك تهديداً. أما الدولة فهي كيف نعيش معاً عملياً: مؤسسات، قانون، دستور، مواطنة، حقوق وواجبات، وإدارة موارد. تُبنى بالعقل والتنظيم، ووظيفتها إدارة الاختلاف لا إنكاره، وضبط التباين لا صهره قسراً. معيارها الكفاءة والعدالة، لا نقاء الأصل ولا صفاء الانتماء. الهوية تُلهم... والدولة تُنظّم. الهوية توحّد المشاعر... والدولة توحّد المصالح. وحين نخلط بينهما، نطالب الهوية بما هو من صميم عمل الدولة، ونستعيض بالشعارات عن الإصلاح، وبالخطاب العاطفي عن البناء المؤسسي. فنرفع رايات الانتماء كلما تعثرت الإدارة، ونستدعي خطاب الهوية كلما عجزنا عن مواجهة الفساد. المواطن اليوم لا يسأل عن نقاء الهوية، بل عن عدالة الدولة. لا يبحث عن تعريف ثقافي لنفسه، بل عن فرصة عمل، وكرامة، وعدالة اجتماعية، وخدمات تحترم إنسانيته. وحين يُزاح النقاش من الفساد والبطالة والمديونية إلى جدل الهويات، نكون قد استبدلنا جوهر الأزمة بقشورها. فالتنوع المجتمعي ليس خطراً في ذاته، بل يصبح خطراً حين يُستخدم أداة للهروب من الاستحقاقات الوطنية. ولو نظرنا إلى تجارب العالم، لوجدنا أن قوة الدول لم تأتِ من تجانس الهويات، بل من تعددها وصلابة المؤسسات. الولايات المتحدة...

Share this post: