حين تكتب الشعوب سرديتها بنفسها
2026-02-26 - 06:45
البرفسور عبد الله سرور الزعبي مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية ليست الدولة جغرافيا تُرسم، ولا حدودًا تُحرَس، ولا جهازًا إداريًا يُدار. الدولة، في مستواها الأعمق، سردية كبرى؛ قصةٌ تتفق جماعة بشرية على تصديقها عن ذاتها، فتمنحها معنى الوجود، وشرعية السلطة، واتجاه الحركة في الزمن. الأرض تسبق الرواية، نعم، لكنها تبقى مادةً صامتة إلى أن تُكتب. ومن لا يكتب نفسه، يُكتَب داخل سرديات الآخرين. السردية ليست دعاية، بل بنية معنى وهندسة إدراك. هي الإجابة الجماعية عن ثلاثة أسئلة تأسيسية: من نحن؟ ولماذا نحكم؟ وإلى أين نتجه؟ حين تُجاب هذه الأسئلة بوضوح، تتماسك الشرعية؛ وحين تضطرب، تتآكل الدولة من داخلها مهما امتلكت من قوة أو ثروة. القوة قد تُنشئ دولة، والاقتصاد قد يُثريها، لكن السردية وحدها تمنحها عمرًا تاريخيًا؛ لأنها تجعل مواطنيها يؤمنون بها، وتجعل العالم يعترف بها. فالتاريخ، في عمقه، ليس صراع جيوش فحسب، بل صراع قصص حول الحق في تعريف العالم. من هنا يصبح السؤال فلسفيًا قبل أن يكون سياسيًا: كيف كتبت الأمم نفسها؟ وكيف تحوّلت الأسطورة إلى دولة، والدولة إلى رسالة، والرسالة إلى نظام؟ وكيف تتبدّل السرديات حين تتبدّل موازين القوة؟ لم تكن الإمبراطوريات الكبرى كيانات إدارية فحسب، بل تصوّرات شاملة عن النظام والعدالة والمصير. في مصر القديمة تجسدت “ماعت” كنظام كوني يمنح الحكم شرعيته؛ الفرعون ضامن انتظام الكون، والزمن دائري، والأهرام بيان خلود، والنيل عمود هوية، والاستقرار قيمة مطلقة. كانت السردية تقول: نحن باقون. أما مصر الحديثة فغيّرت لغتها لا جوهرها؛ لم تعد الدولة تجسيدًا لناموس ميتافيزيقي، لكنها ما تزال ترى في الاستمرارية مصدر شرعيتها. سؤالها الدائم ليس كيف تبدأ، بل كيف تستمر وهي تتغير. في الصين ارتبطت السلطة بمفهوم “تفويض السماء” كآلية...