المجالي يكتب ، عيد الفطر… حين تنتصر القلوب وتُفتح دفاتر الصفح
2026-03-19 - 17:22
محمد مطلب المجالي. في صباحات عيد الفطر، لا يكون الفرح مجرد طقوسٍ عابرة، ولا تكبيراتٍ تتردد في الأفق فحسب، بل هو ولادةٌ جديدةٌ للروح، ومصالحةٌ عميقةٌ مع الذات والآخرين، ونداءٌ صادقٌ لأن نُعيد ترتيب ما بعثرته الأيام في قلوبنا. يأتي العيد بعد رحلةٍ من الصبر والعبادة، بعد أيامٍ من الصيام التي هذّبت النفوس، وعلّمت الإنسان كيف يترفّع عن الصغائر، وكيف يسمو فوق الجراح. وما أجمل أن يكون ختام هذه الرحلة فتحًا لصفحاتٍ ناصعة، نغسل فيها ما تراكم من خلافات، ونُطفئ فيها نيران الخصام التي أنهكت العلاقات وأثقلت الأرواح. العيد ليس مناسبةً لارتداء الجديد فحسب، بل هو دعوةٌ لارتداء قلبٍ جديد... قلبٍ يتسع للجميع، ويعفو عمّن أخطأ، ويصفح عمّن أساء. ففي زمنٍ كثرت فيه القطيعة، وتباعدت فيه القلوب، يصبح التسامح شجاعة، ويغدو الصفح انتصارًا حقيقيًا على النفس قبل أن يكون على الآخرين. كم من علاقاتٍ انكسرت بسبب كلمة، وكم من أواصرٍ تقطّعت بسبب موقفٍ عابر، وكم من قلوبٍ امتلأت بالجفاء دون مبررٍ يستحق! وهنا يأتي العيد ليقول لنا: كفى... أعيدوا وصل ما انقطع، وامسحوا عن القلوب غبار الخصومة، فالحياة أقصر من أن تُعاش مثقلةً بالأحقاد. في هذا اليوم المبارك، تمتد الأيادي بالسلام، وتُفتح الأبواب قبل القلوب، وتُقال العبارات التي طال انتظارها: “سامحتك”، “عفا الله عمّا مضى”، “لنبدأ من جديد”. وما أعظمها من كلمات، وما أثقلها في ميزان الإنسانية. إن المجتمعات لا تُبنى بالقوة وحدها، بل تُبنى بروح التسامح، وبقدرة أبنائها على تجاوز الأخطاء، وإعلاء قيمة العفو. فالتراحم ليس ضعفًا، بل هو قمة النضج، والصفح ليس تنازلاً، بل هو رفعةٌ أخلاقية تُعيد للإنسان إنسانيته. عيد الفطر فرصة... فرصة لنراجع أنفسنا، ونُعيد النظر في مواقفنا، ونُدرك أن أجمل...