بين التحليل والتنجيم: حين يتحول الحديث عن الحروب من قراءة للواقع إلى تحديد مواقيت للفاجعة
2026-01-27 - 09:51
بقلم: عوني الرجوب باحث وكاتب سياسي المشكلة اليوم ليست في احتمال الحرب بحد ذاته، بل في الطريقة التي يُبسَّط بها ويُسوَّق وكأنها حدث تلفزيوني له موعد ثابت، إذ نسمع من يقول إن الضربة ستكون فجرًا أو قبل الضحى، وآخر يقول بعد العصر، وثالث في منتصف الليل تشعل السماء قناديلها على إيران والمنطقة برمتها، ورابع في ساعات الضحى قبل الظهيرة، ومابين الفجر ومنتصف الليل مع الغسق تمضي الأوقات ولا يحدث شيء، ثم تعود الدورة نفسها من التوقعات الجازمة، وكأننا أمام نشرة فلكية لا تحليلًا سياسيًا، وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل ما يُقدَّم للناس قراءة استراتيجية حقيقية أم مجرد شكل حديث من التنجيم الإعلامي؟ نحترم كل المحللين ونقدر مواقفهم ولكن لا يستعين بعضهم بتحليلات و اخبار اجنبيه إعلامها كاذب التحليل السياسي الرصين لا يقوم على الإثارة، بل على معلومات – ولو جزئية – من مصادر متعددة، وعلى فهم مصالح الدول لا الاكتفاء بخطابها العلني، وعلى تقييم الكلفة مقابل المكسب، وقراءة السياق الدولي من حيث الاقتصاد والتحالفات ومواقف القوى الكبرى، إضافة إلى دراسة سلوك الدول في أزمات سابقة. لذلك فإن المحلل المهني يتحدث بلغة الاحتمالات والسيناريوهات، فيشير إلى العوامل التي تدفع نحو التصعيد وأخرى تمنعه، بينما لغة الجزم بتوقيت الحرب، وربطها بساعات اليوم، تُفقد التحليل قيمته وتحوله إلى توقعات انفعالية لا أكثر. ما يزيد المشهد تعقيدًا أن بعض المحللين يضخمون قوة طرف واحد بشكل يخرجه عن قوانين السياسة والواقع، فيُصوَّر أن ترامب قادر على الفعل دون قيود وأن الولايات المتحدة تُدار ككيان واحد تحت إرادته فقط، وأن إسرائيل تستطيع محو دول من الوجود بلا كلفة ولا رد، في حين أن أي قوة، مهما عظمت، تظل مقيدة بالمصالح لا...