TheJordanTime

السيولة التعليمية…الازمة التي نبتسم لها

2026-02-18 - 07:15

البرفسور عبد الله سرور الزعبي مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية في الفلسفة، لا تُفهم السيولة بوصفها حالة مادية فحسب، بل كحالة ذهنية وأخلاقية تتآكل فيها الحدود والمعايير. من مقولة هيراقليطس الشهيرة “لا يمكنك أن تنزل النهر ذاته مرتين”، إلى توصيف باومان لعصرنا بالحداثة السائلة، يتبدّى عالمٌ تتراجع فيه الثوابت لصالح المؤقت، وتُستبدل الصلابة بالمرونة، والمعنى بالسرعة. في عالم السيولة، لا يُطلب من الأنظمة أن تكون صحيحة بقدر ما يُطلب منها أن تكون قابلة للتمرير. ولا يُراد للسياسات أن تكون عميقة بقدر ما يُراد لها ألّا تكون مزعجة. يُعاد تعريف النجاح ليصبح عبورًا آمنًا من تقرير إلى آخر، ومن مرحلة إلى أخرى، دون مساءلة عمّا جرى في المنتصف. هنا تذوب المعايير، وتفقد المؤسسات صلابتها. الأخطر أن هذه السيولة لم تعد حكرًا على الاقتصاد، حيث المال أسرع من الإنتاج، ولا على السياسة، حيث الخطاب أسرع من القرار، ولا على الاجتماع، حيث العلاقات أسرع من القيم؛ بل تسللت إلى التعليم، المجال الأكثر تأثيرًا في مستقبل الدول. وحين يتسرّب هذا المنطق إلى التعليم، لا ينهار فجأة، بل يذوب ببطء، حتى نكتشف أننا نحمل شهادات بلا معرفة، وأجيالًا بلا أدوات، ومستقبلًا يتسرّب بهدوء. السيولة التعليمية لا تعني تحديثًا مدروسًا أو تطويرًا ذكيًا، بل انتقال الطالب من صف إلى آخر دون امتلاك الكفايات اللازمة، وخروجه من النظام دون استعداد حقيقي للحياة. إنها إدارة للعبور لا للبناء، وتوسيع شكلي للمخرجات لا تعميق لجودتها. كأن بعض الأنظمة التعليمية، قررت أن تغرق في نهر هيراقليطس كل عام، ثم تتساءل بدهشة، لماذا ابتللنا؟ في الحالة الأردنية، لم تدخل السيولة من بوابة إصلاح جذري، بل من باب التسهيل وتأجيل المواجهة. التوسع في الأبنية قُدّم بوصفه إنجازًا،...

Share this post: