المجالي يكتب: صِبيةُ الفيس وجامعو اللايكات… الوطن أكبر من أحلامكم الصغيرة
2026-03-21 - 17:12
بقلم: محمد مطلب المجالي في زمنٍ أصبحت فيه الكلمة تُنشر بضغطة إصبع، ويُصنع فيه “المشهور” خلال دقائق، خرجت علينا فئةٌ من صِبية الفيس وجامعي اللايكات، يظنون أن الشهرة تُقاس بعدد الإعجابات، وأن القيمة تُوزن بكمية المتابعين. يملؤون فضاءات التواصل بمحتوى فارغ ومشاهد هزيلة، لا تحمل فكرة، ولا تنهض بوعي، ولا تخدم وطناً. إنّ ما يُنشر اليوم عبر بعض المنصات لا يمتّ إلى المسؤولية بصلة؛ مقاطع سطحية، وسلوكيات مبتذلة، واستعراضات رخيصة هدفها الوحيد جذب الانتباه بأي وسيلة. وكأنّ الوطن، بتاريخه وثقافته وتضحيات أبنائه، أصبح مجرد خلفية لمسرح عبثي يبحث فيه البعض عن لحظة شهرة عابرة. ومن المشاهد التي باتت تتكرر، أن يجلس بعضهم في سياراتهم، يفتحون هواتفهم وكأنهم يعتلون منصة كبرى، ثم يبدأ العرض؛ أصوات مرتفعة، ترانيم مصطنعة، خطابات مرتجلة، وبيعٌ للوطنية بالكلمات الرخيصة. يتحدثون بثقة العارفين، ويوزعون النصائح والتوجيهات، بينما ما يُقدَّم لا يتجاوز حدود السخف والهراء الذي يثقل السمع ويستفز الذائقة. لا حاجة لذكر أسمائهم، فهم لا يستحقون الوقوف عندهم ولا منحهم شرف الذكر. فالمسألة ليست في أشخاصٍ بقدر ما هي ظاهرة تتكاثر كلما وجد التفاهة من يصفق لها، وكلما تحولت المنصات إلى مسرحٍ مفتوح لكل من أراد أن يبيع الوهم ويشتري التصفيق. ليس العيب في وسائل التواصل نفسها، فهي أدوات يمكن أن تكون منابر للعلم والمعرفة وجسوراً للتواصل وبناء الوعي. لكن العيب في من يحوّلها إلى سوقٍ للابتذال، وبضاعة رخيصة تُعرض فيها التفاهة على أنها إنجاز، ويُقدَّم السخف على أنه إبداع. الوطن، أيها السادة، أكبر من هذه العروض الصغيرة. الوطن ليس شاشة هاتف، ولا تعليقاً عابراً، ولا مقطعاً مصوّراً يلهث خلف المشاهدات. الوطن تاريخٌ من التضحيات، ودماءٌ سالت دفاعاً عنه، ورجالٌ كتبوا اسمه...