TheJordanTime

تحرير العقل المؤسسي من فلسفة الخوف الصامت

2026-02-01 - 06:37

البرفسور عبد الله سرور الزعبي مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية في لحظات التحوّل الكبرى، لا تسقط المجتمعات دفعة واحدة، ولا تنهار الدول لحظة رفع آخر علم أو عبور أول دبابة. السقوط الحقيقي غالبًا ما يسبق كل ذلك بزمن طويل، حين يُهزم العقل الجمعي بصمت، ويُعاد تشكيل وعيه على نحو يجعله يتصالح مع الخوف، ويعتاد الصمت، ويُعيد تعريف النجاة بوصفها شأنًا فرديًا لا مشروعًا جماعيًا. الخوف ليس حالة طارئة، ولا انفعالًا عابرًا، بل تقنية قديمة، وأداة ضبط اجتماعي صقلتها الإمبراطوريات، وتوارثتها الشعوب، وأتقنها محترفو السيطرة على العقول. لا يُفرض الخوف دائمًا بالسلاح، بل يُزرَع ببطء، ويُسقى بالشك، ويكبر في العتمة حتى يصبح جزءًا من وعي المجتمع، بل من تعريفه لذاته. أخطر أشكال الخوف هو ذاك الذي لا يُعرَف مصدره. حين لا يعرف الناس لماذا يخافون، يتحول الخوف من رد فعل إلى نمط حياة. هنا لا يعود مرتبطًا بحدث، بل بحالة عامة من الترقّب والقلق الدائم. هانا آرندت رأت، في تحليلها “أن الخوف الحقيقي لا ينبع من القمع الظاهر، بل من الغموض، ومن كسر العلاقة بين السبب والنتيجة، ومن العجز عن التنبؤ”. العقل البشري قابل للبرمجة، وهذه حقيقة تاريخية لا فلسفية فقط. من الطقوس الدينية في الحضارات القديمة، إلى الدعاية النازية، وصولًا إلى “صناعة الرأي العام” الحديثة، كان الهدف واحدًا، إعادة تعريف الواقع. غوستاف لوبون أوضح في سيكولوجية الجماهير أن الجماعة تفقد عقلانيتها حين تُغذّى بالصور والانطباعات بدل الحقائق (اليوم الخطر اشد مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي). الخوف هنا لا يُشرح، ولا يُقال للناس “خافوا”، بل يُترَكون ليستنتجوا أن الخوف هو الخيار العقلاني الوحيد. الصمت، في هذا السياق، ليس غياب الكلام، بل حضور الخوف. حين يسود الصمت في...

Share this post: